النووي

807

تهذيب الأسماء واللغات

فقد قال الشيخ أبو الفتوح العجلي : هما عبارتان عن شيء واحد . وليس كما قال ، بل الهائم الخارج على وجهه ، لا يدري أين يتوجّه ، وإن سلك طريقا مسلوكا ، وراكب التعاسيف لا يسلك طريقا ، فهما مشتركان في أنهما لا يقصدان موضعا معلوما ، وإن اختلفا فيما ذكرناه . قال أهل اللغة : يقال : هام على وجهه يهيم هيما وهيمانا : ذهب ، من عشق أو غيره . وقلب مستهام ، أي : هائم . والهيام : داء يأخذ الإبل فتهيم في الأرض لا ترعى ، يقال منه : ناقة هيماء . وهذا مذكور في « الروضة » في أول باب الأضحية . هيه : قال الإمام الواحدي رحمه اللّه تعالى : هيهات : اسم يسمى به اسم الفعل ، وهو بعد في الخبر لا في الأمر ، ومعنى هيهات : بعد ، وليس له اشتقاق ، لأنه بمنزلة الأصوات ، وفيه زيادة معنى ليست في بعد ، وهو أن المتكلم بهيهات يخبر عن اعتقاده واستبعاد ذلك الذي يخبر عن بعده ، فكأنه بمنزلة قوله : بعد جدّا ، وما أبعده ، لا أن يعلم المخاطب مكان ذلك الشيء في البعد ، ففي هيهات زيادة على بعد ، وإن كان تفسيره ببعد . قال الفراء في قوله تعالى حكاية عنهم : هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ [ المؤمنون : 36 ] لو لم تكن اللام في « ما » كان صوابا . قال : ودخول اللام عربي ، ومثله في الكلام : هيهات لك ، وهيهات أنت منّا ، وهيهات لأرضك . وأنشد : فهيهات هيهات العقيق وأهله * وهيهات خلّ بالعقيق نواصله فمن لم يدخل اللام رفع الاسم ، ومعنى هيهات : بعد ، فكأنه قال : بعد العقيق . ومن أدخل اللام قال : هيهات أداة ليست مأخوذة من فعل ، فإذا دخلت اللام ، كما يقال : هلمّ لك ، إذ لم تكن مأخوذة من فعل . وقال الزجّاج : هيهات موضعها الرفع ، وتأويلها : البعد لما توعدون . قال : ويقال : هيهات ما قلت ، وهيهات لما قلت ، فمن قال : هيهات لما قلت ، معناه : البعد لقولك . قال أبو علي الفارسي : قول الزجاج : إن هيهات في موضع رفع ، وإجراؤه إياها مجرى البعد في أن موضعه رفع في قولك : البعد لزيد ، خطأ ، وذلك أن هيهات اسم سمي به الفعل ، فهو اسم لبعد ، كما أن شتّان كذلك . وهيهات أشبهت الأصوات ، نحو : مه وصه ، وما لا حظّ له في الإعراب ، فكما لا يجوز أن يحكم لشتّان بموضع من الإعراب من حيث كان اسما للفعل ، ولا موضع له من الإعراب ، كما لا موضع للهمزة من قوله : أقام زيد ؟ كذلك لا يجوز أن يحكم لهيهات بأن موضعه رفع ، ولو جاز أن يكون موضعه رفعا لدلالته على معنى البعد ، لكان « شتّان » أيضا مرتفعا لدلالته على ذلك ، وليس للاسم الذي يسمى به الفعل موضع من الإعراب ، كما لم يكن للفعل الذي جعل هذا اسما له موضع ، فإذا ثبت أنه اسم سمي به الفعل لا يخلو من ذلك . ولولا أن شتان وهيهات لبعد في قولك : شتان زيد ، وهيهات العقيق ، وأن الاسم مرتفع به إذ لا يخلو أن يكون بمنزلة الفعل أو بمنزلة المبتدأ ، ولا يجوز أن يكون بمنزلة المبتدأ ، لأن المبتدأ هو الخبر في المعنى ، أو يكون له فيه ذكر ، وليس هيهات بالعقيق ولا شتان بزيد ، ولو كان اسما للمصدر لما وجب بناؤه ، لأن المعنى الواحد قد يسمى بعده اسما ، ويكون ذلك كله معربا ، وأيضا فإنك تقول : هيهات المنازل ، وهيهات الديار ، فلو كان هيهات مبتدأ لوجب أن يجمع ، إذ لا يكون المبتدأ واحدا